في هذا المقال
هل لاحظت كيف يبدو المحتوى الرقمي باهتًا للغاية، ويفتقر إلى الإبداع، و.. سيّئًا باختصار؟
في الغالب، يُتهم الذكاء الصُنعي، بل اُشتقّ مُصطلح “خاص” لوصف ظاهرة الاعتماد المفرط عليه: المحتوى الموحِل Slop
ومع ذلك، أرى الذكاء الصُنعي كبش الفداء لا الجاني الحقيقي!
قبل بضعة سنوات، ألقى الناس باللوم على مزارع المحتوى ("لقد أفسد تحسين محركات البحث SEO كل شيء!" ولم يكونوا مخطئين). واليوم، بلومون الذكاء الصُنعي AI.
وبعد خمس سنوات أخرى ربما، سيلقون باللوم على أي شيء سيأتي بعد ذلك.
نرتاح لتفسيرات كهذه لأنها تقدم لنا شريرًا، وعادةً ما يكون الأشرار “واضحين”؛ ما يجعلنا نشعر بأن “شيئًا محددًا” مَن تسبب في المشكلة.
دعني أفاجئك وأخبرك: لا يعمل الإنترنت بهذه الطريقة. في الواقع، لا يعمل العالم ككل بهذه الطريقة أيضًا؛ فلم يختلق الذكاء الصُنعي المحتوى الرديء، تمامًا كما لم يكن جيلنا أول جيل ينتج محتوى سيئًا.
عادةً ما نميل إلى تجميل الماضي. فلنكن صريحين بشأنه هذه المرة، اتفقنا؟
أثارت كل قفزة تكنولوجية في مجال النشر ردة الفعل نفسها:
- فقد أغرقت المطبعة، التي اختُرعت حوالي عام 1440 أوروبا (ثم بقية العالم) بالكتب. ولم يكن معظمها روائع.
- أدى ازدهار المدونات إلى ظهور ملايين التدوينات المُحسّنة لمحركات البحث (عوض اهتمامها بالبشر).
- ثمّ كافأت وسائل التواصل الاجتماعي الكمّ الهائل من المحتوى.
- ثمّ ظهرت جداول المحتوى “Content Calendars” لتكافئ الاستمرارية.
والآن، يكافئ الذكاء الصُنعي السرعة، وأيضًا، الكمّ.
هل لاحظتَ النمط؟ تتغير التكنولوجيا، لكن الدوافع تبقى ذاتها عبر القرون.
سيختار الناس دائمًا الطريقة السهلة لإنتاج المحتوى، سواء كان طباعة مئات النسخ من الكتب السيئة أو إنتاج مئات المنشورات على شبكات التواصل باستخدام الذكاء الصُنعي.
صحيح!
يميل الناس إلى تضخيم صورة الماضي الخيالي حيث كان الرهبان يخطّون -بأيديهم- كل قطعة محتوى في الأديرة المضاءة بالشموع. لكن هل قرأت تلك الكتب؟ هل أنت واثق من كون طول مدة صنع شيء ما يجعله بالضرورة أفضل؟!
لطالما أنتجنا كميات هائلة من المحتوى المتواضع (أو لنَقل: الرديء). الفرق أنه كان مكلفًا في السابق. أما اليوم، يكاد لا يكلّف شيئًا، هذا وحده ما تغيّر!

لا تحصل أبدًا على جودة أفضل -عندما يصبح الإنتاج أرخص- بل تحظى فقط بعرضٍ أكبر.
مرة أخرى، الأمر لا يتعلق بالمحتوى فقط. تلك أساسيات الاقتصاد، والتي نعرفها منذ قرون: عندما تنخفض تكلفة الإنتاج، يتضخم الأخير على حساب متوسط الجودة؛ لأن حواجز الدخول تختفي.
كلما سمعت أحدهم يقول: "الذكاء الصُعي دمّر المحتوى"، أستبدل هذه الجملة في ذهني برأيي حول ما حدث بالفعل:
يمتلك الناس الآن قدرة كافية لتحسين أدائهم في الاتجاه الخطأ.
في عملي، أرفض -باستمرار- العمل مع الذين تنحصر مطالبهم في الكمية:
"نحتاج عشر تدوينات شهريًا؛ لا، اجعلها عشرين!"
أو
“نحتاج إلى النشر على شبكات التواصل 5 مرات على الأقل في الأسبوع”
لم يمتلك -سوى قلّة من هؤلاء- إجابة جيدة عندما سألتهم: "لماذا؟ لماذا تحتاجون إلى هذا العدد الكبير من التدوينات؟ لماذا ترجون أن تؤدي 5 منشورات أسبوعية على شبكات التواصل إلى حل مشكلة توليد العملاء المحتملين؟"
لا شك أن من امتلكوا القدرة على إنتاج كميات هائلة من المحتوى في عصر ما قبل الذكاء الصُنعي قد فعلوا ذلك. نعم، كان المحتوى رديئًا أيضًا، لكنه لم يُشبه محتوى الذكاء الصُنعي.
والعملاء الذين رفضتهم وجدوا مزرعة محتوى أخذت أموالهم بسعادة ولم تطرح أسئلة محرجة (بالضبط، تأكدت من ذلك بنفسي).
كل هذا لأقول إن الذكاء الصُنعي ليس مسؤولاً عن الكميات الهائلة من الهراء التي نراها على الإنترنت لأن دوره هو تضخيم أي نظام تقوم ببنائه بأمانة.
- تصبح الاستراتيجية المدروسة أسرع.
- تصبح الاستراتيجية السيئة أوضح.
والسؤال البديهي: كيف تتجنب أن تصبح جزءًا من هذا الهراء؟
ليست الإجابة في عدم استخدام التقنية الجديدة؛ هذا كسل يشبه -إلى حد ما- القول بأن حل (رداءة التصوير) متمثل في حظر الكاميرات الرقمية والعودة إلى كاميرات الأفلام!
استخدم الذكاء الصُنعي أو لا تستخدمه، أنت حرّ!

السؤال المهم: ما الذي تسعى لتحسينه؟
يركز معظم الناس على تحسين "المُخرجات" لأنها قابلة للقياس. إذ يسهل حصر المنشورات، والتدوينات، والفيديوهات، والمشاهدات، والنقرات. لكن يصعب قياس مدى تطوّر تفكيرك، أو حجم الإضافة المعرفية التي اكتسبها جمهورك، أو ما إذا غيّر محتواك رأي أحدهم.
وتكمن المفارقة في كون تلك الأشياء تحديدًا ما يخلق الطلب على المدى الطويل.
لا أذكر أنني اقترحت على عميلٍ "نشر المزيد" قطّ، عادةً ما يتجّه تفكيري نحو “تحتاج هذه العلامة التجارية إلى ساعة أخرى مع جمهورها”؛ ففي تلك الساعة تظهر الأسئلة المثيرة للاهتمام، حيث يُشكِك في الرأي البديهي [كما في المدونة التي بين يديك]، ويُلاحظ أن الجميع في مجال عمله يواصلون تكرار نفس الافتراض دون التأكد من مدى صحته.
لا يحدث أي من هذا لو طلبتَ من شات جي بي تي “10 منشورات لينكدإن حول القيادة”، صحيح؟
تأتي معظم نصائح الذكاء الصُنعي تأتي بترتيب معكوس!
يسأل المسوقون الذكاء الصُنعي عما يجب قوله قبل تحديدهم ما يؤمنون به، وبذا، يفوّضون الجزء الذي يجعل محتواهم جديرًا بالقراءة.
تلك وصفة لإنتاج أفكار متواضعة؛ هذا بالضبط ما "تُدرّب" نماذج اللغة الكبيرة (LLM) على توليده: التتمة الأعلى احتمالًا للجملة.
حسنًا، كيف تتجنب تلك التتمة (الأكثر رتابة) للجملة؟
1] حاول تغيير منهجية عملك
قبل خطّ حرفٍ واحد، اطرح سؤالًا.
- ما النمط الذي لاحظته ولم يلاحظه الآخرون؟
- ما رأيك الذي ستظل متمسكًا به لو أزال لينكدإن زر الإعجاب غدًا؟
- ما الاعتقاد السائد في مجال عملك والذي تشعر بأنه مدمّر تمامًا؟
- ما الخطأ الذي كرره العملاء مرارًا قبل توظيفك؟
- ما الذي يحتاج عملاؤك المحتملون إلى سماعه ليشتروا منك؟ ← سؤالي المفضل
أجوبة هذه الأسئلة الاستراتيجية أكثر ديمومة بكثير من سؤال "ما الفكرة الجيدة لهذا الأسبوع؟"
2] ابدأ بتقييم محتواك من حيث الفائدة لا التفاعل
من أكثر الأسئلة التي أطرحها على عملائي: "لماذا نشرتم هذا؟". هدفي؟ فهم الفكرة الكامنة وراء كل قطعة محتوى، ومساعدة عملائي على ربط منشوراتهم بأهدافهم المهنية على الدوام.
المنشور الذي يدفع خمسة أشخاص إلى إعادة التفكير في قرار الشراء أكثر قيمة بلا شك من خمسة منشورات تجمع تفاعلًا قبل أن تختفي إلى الأبد.
أرى أن المحتوى "ملكية فكرية"، لذا يجب أن يكون هادفًا دائمًا.
عادةً، يندرج كل ما تنشره ضمن إحدى هذه الفئات الأربع للأهداف:
- محتوى توليد العملاء المحتملين [هدفه بسيط: تحميل ملف]
- محتوى تحقيق الدخل المباشر [هدفه أكبر، مثل: "شراء منتج/خدمة"]
- محتوى بناء السلطة [آرائك.. المثيرة للجدل]، ومنهجيتك .. إلخ]
- محتوى ترفيهي
تشكل هذه العناصر مجتمعة الصورة الكاملة لعلامتك التجارية أي ما يعرفه الناس عنك، ولماذا يثقون بك، ولماذا سيشترون منك.
مَن سينجح خلال العقد القادم؟
هم أولئك الذين يتعلمون كيفية توليد أكبر قدر من الأفكار - ثم يستخدمون الذكاء الصُنعي لتسويقها تلك الأفكار بكفاءة أكبر من أي وقت مضى.
تابع جديد محمد طارق الموصللي
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق