حين يتمحور التسويق حولك، تخسر كل شيء!
أكاد لا أجد منشورًا على لينكدإن، لكاتب محتوى يبحث عن عمل، إلا وشاركته. ولو دخلتَ مدونتي الشخصية، فستلاحظ تخصيصي سلسلة كاملة -تحت عنوان: أنا لم أنساكم- أروّج فيها لكتابات الآخرين (خاصةً المبتدئين). وابحث في نشرتي البريدية عمّن استضفتهم في فقرة “موهوب تحت التلسكوب 🔭” وستفاجئ بكونهم كُتاب محتوى لا يتجاوز عدد متابعيهم الخمسين شخصًا في أفضل الأحوال!
ولعلمك، لست ثريًا .. ولا زاهدًا بفرص العمل مثلًا. لذلك ربما تسألني:
ما الذي يدفعك لفعل ما تفعله يا طارق؟
والإجابة باختصار: لقد تغيّرت عقليتي بعدما قرأت قصة رواها مسوّقي المفضل [جو بوليتزي Joe Pulizzi]، والتي أودّ مشاركتها معك كما رواها.
إذ يقول:

للتو، عدت مع زوجتي من بويرتو فالارتا (مدينة ووجهة سياحية شهيرة تقع على ساحل المحيط الهادئ في ولاية خاليسكو بالمكسيك). وكانت إحدى أبرز محطات الرحلة دورة طهي في مطعم غابي، بالقرب من المدينة القديمة. لم تكن مجرد زيارة سياحية عابرة، وإنما تجربة متكاملة (من التاسعة صباحًا حتى الثانية ظهرًا)؛ من تلك التجارب التي ترسخ في الذهن طويلًا بعد انتهاء الوجبة.
أشرف على الدورة الشيف خوليو Chef Julio.
قبل أن نبدأ الطبخ، اصطحبنا الشيف خوليو في جولة بالمدينة لجمع المقادير. فتجولنا في السوق وحول البلدة القديمة. وكان -على طول الطريق- يتوقف عند بائعين وأصحاب متاجر مختلفين؛ يتحدث معهم ويمازحهم:
👾 في إحدى المحطات، عانق خوليو -بحرارة- مدير المدينة المسؤول عن السوق.
👾 وفي محطة أخرى، مازحَ صاحب متجر الحلوى بمناداته "ويلي ونكا" (شخصية خيالية لصانع حلوى عبقري وغريب الأطوار من رواية الأطفال الشهيرة "تشارلي ومصنع الشوكولاتة").
👾 وفي المحطة الأخيرة، تحدثنا عن كون الأفوكادو المنتج الوحيد غير المتاح للعامة؛ حيث يتوجّب عليك “توصية البائع” وتحديد اليوم الذي تحتاجه فيه، عندها سيختار لك ثمرة الأفوكادو المثالية بناءً على وقت استخدامها في الطبخ.
كان واضحًا أن تلك حياته.
لقد نشأ الشيف خوليو في المطعم، وروى لنا كيف أسسه والداه من الصفر، وكيف نما العمل مع مرور الوقت. كل محطة في رحلته أضافت بُعدًا جديدًا للقصة. وعندما عدنا إلى المطعم، لم نكن مجرد زبائن ننتظر الخدمة، بل أصبحنا جزءًا لا يتجزأ منها.
قدّم الشيف خوليو أحد أفضل العروض التسويقية التي رأيتها منذ فترة طويلة، ولم يكن يبدو تسويقًا على الإطلاق!
في نهاية الحصة، أخبرنا أن دورة الطبخ أفضل وسائلهم التسويقية. وفي الحقيقة، لم يكن مضطرًا لقول ذلك، فقد رأينا ذلك بأمّ أعيننا:
😺 يخبر المشاركون في الدورة أصدقاءهم عن مطعم غابي، ويعود الكثيرون لتناول العشاء لاحقًا.
😺 يستفيد الباعة في أنحاء المدينة من الإقبال الذي يجلبه لهم، فيحيلون إليه بدورهم الزبائن.
😺 ومع مرور الوقت، يتحول الأمر إلى دائرة مترابطة، فتبدأ تجربة رائعة بأخرى، وتؤدي كل علاقة إلى توصية أخرى، وتخلق كل بادرة كرم شبكة من العلاقات الطيبة.
بمعنى آخر، لا يقتصر دور الشيف خوليو على تسويق مطعم غابي فحسب، بل يساعد على إنجاح المجتمع بأكمله؛ وهذا سر نجاحه الشخصي.

للأسف، معظم التسويق اليوم مبني على العكس! 💔
تنطلق الشركات عادةً من السؤال التالي:
كيف نجذب المزيد من الاهتمام، ونحصل على المزيد من العملاء المحتملين .. لهذه الخدمة أو المنتج؟
سؤال وجيه طبعًا. لكنه غالبًا ما يؤدي إلى محتوى غير مفيد، وترويج أكثر صخبًا وضجيجًا، مع بذل آلاف الدولارات في محاولة إقناع الناس بالاهتمام!
وأظن أن السؤال الأفضل هو:
كيف تقدّم شيئًا مفيدًا ولا يُنسى وسخيًا لدرجة رغبة الآخرين في التحدث عنه من تلقاء أنفسهم؟
كما فعل الشيف خوليو.
عندما أطلقت مدونتي الشخصية، كان تركيزي على جعلها مصدر معلومات موثوقًا لكتّاب المحتوى، ولمَا لم يكن أحد يعرفني. ولم يكن لديّ جمهور يُذكر، قررت إطلاق سلسلة [أنا لم أنساكم] التي أخبرتك عنها قبل قليل. قد لا تبدو -للوهلة الأولى- خطوة استراتيجية مهمة، لكنها أفادتني أكثر مما تخيّلت!
إذ بعد مرور عام على بدأ السلسلة، كان أكثر من نصف المدونين والمدوِنات يشاركون تدويناتي مع جمهورهم. ببساطة، اعتبروا إشارتي إلى تدويناتهم -بصفتي مدوّنًا مخضرمًا- إشادةً بجهودهم.
ولأنه أفادهم، فقد أفادني أيضاً.

أصبح ذلك المحتوى أحد أهم عوامل جذب الزوار إلى مدونتي. والأهم؟ ساعدني في ترسيخ مكانتي وسط صناعة متنامية. لا لأنني كنت الأكثر صخباً، بل لأنني قدّمت شيئاً مفيداً للأشخاص الذين أردت بناء علاقات معهم. ما منحني مصداقية فورية لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى خدماتي.
الجانب الذي تُغفله معظم الشركات
أفضل أنواع التسويق تساعد الآخرين على النجاح. عندما تُحسّن تجربة عملائك، فإنهم يُخبرون غيرهم. وعندما تُساعد شركاءك ومورديك على تحقيق الربح، فإنهم يُعيدون إليك عملاءهم. وعندما تُساعد زملاءك على نيل التقدير، فإنهم يُساهمون في نشر عملك. وعندما يُضيف تسويقك قيمةً تتجاوز نطاق عملك، فإنه يتوقف عن كونه مجرد حملة تسويقية، ويبدأ في التحوّل إلى نظام متكامل.
ليكن ذلك هدفك القادم؛ خاصةً الآن، حيث بات بإمكان الجميع الوصول إلى الأدوات والمنصات نفسها، وبشكل متزايد إلى الأساليب المولدة بالذكاء الصُنعي AI نفسها، تزداد أهمية هذا الأمر. يمكن نسخ الكثير من التسويق، لكن لا يمكن نسخ شبكة علاقات مفيدة، ولا تجربة حقيقية، ولا قصة عاشها الناس بأنفسهم.
ربما فكّر في الأمر بهذه الطريقة: إذا كان تسويقك يخدمك أنت فقط، فقد يتوقف عن العمل في نهاية المطاف. أما إذا كان تسويقك يُفيد كل من حولك، فإنه سيزداد قوة مع مرور الوقت.
إذن، كيف تطبّق ذلك عمليًا؟
💯 أعدّ قائمة بخمسة أشخاص أو شركات يمكنك الترويج لها دون طلب أي مقابل.
💯 أنشئ قطعة محتوى تجعل العميل/الزميل/المُنافس يبدو ذكياً.
💯 ابنِ حلقة بسيطة من خلال إنشاء شيء مفيد يرغب الآخرون في مشاركته مرارًا وتكرارًا.
لا يكمن التسويق الأمثل في لفت الأنظار، بل بأن تكون مفيداً بما يكفي، وسخياً بما يكفي، بحيث يرغب الآخرون في نشر قصتك نيابةً عنك.
ساعد عددًا كافيًا من الناس على النجاح، وسيتأكدون من نجاحك أنت أيضًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق